الشيخ محمد النهاوندي
599
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ في الآخرة بسبب الكفر والمعصية أبدا إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ قلائل . روي أنّهم كانوا يقولون : مدّة عذابنا سبعة أيّام ، وقيل : هي أربعون يوما ، مقدار عبادة بني إسرائيل العجل « 1 » . فهوّن عليهم الذّنوب والخطوب رسوخ اعتقادهم على ذلك وَغَرَّهُمْ وخدعهم فِي مخالفة دِينِهِمْ وأحكامهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ على اللّه من قولهم : أنّه تعالى وعد يعقوب أن لا يعذّب أولاده إلّا تحلّة قسم « 2 » . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : زعمت اليهود أنّهم وجدوا في التّوراة : أنّ ما بين طرفي جهنّم أربعون سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزّقّوم ، وإنّما نعذّب حتّى نأتي إلى شجرة الزّقّوم ، فتذهب جهنّم وتهلك ، وأصل الجحيم سقر ، وفيها شجرة الزّقّوم ، فإذا اقتحموا من باب جهنّم وتبادروا في العذاب حتّى انتهوا إلى شجرة الزّقّوم وملأوا البطون قال لهم خازن سقر : زعمتم أنّ النّار لن تمسّكم إلّا أيّاما معدودات ، قد خلت أربعون سنة وأنتم في الأبد « 3 » . أقول : فيه دلالة على أن المراد من الأيّام المعدودات أربعون سنة وعبّر عنها بها تقليلا لها . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 25 ] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 25 ) ثمّ أبطل اللّه سبحانه ما غرّهم باستعظام عذابهم ، وتهويل ما يحيق بهم بقوله : فَكَيْفَ يكون حالهم إِذا أخرجناهم من قبورهم و جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ عظيم شديد الأهوال يكون وقوعه ممّا لا رَيْبَ فِيهِ لعاقل . روي أنّ أوّل راية ترفع يوم القيامة من رايات الكفر راية اليهود ، فيفضحهم اللّه عزّ وجلّ على رؤوس الأشهاد ، ثمّ يأمر بهم إلى النّار « 4 » . وَ في ذلك اليوم وُفِّيَتْ وأعطيت من غير نقص كُلُّ نَفْسٍ من النّفوس جزاء ما كَسَبَتْ وحصّلت من عمل خير أو شرّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ بتنقيص الثواب ، أو زيادة العقاب . وفيه دلالة على أنّ الثّواب والعقاب يكونان بالاستحقاق .
--> ( 1 ) . تفسير الرازي 7 : 218 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 16 . ( 3 ) . نفس المصدر . ( 4 ) . تفسير روح البيان 2 : 16 .